
رئيس التحرير: جاك خزمو
كل الجهود السياسية والدبلوماسية، وكل التحركات واللقاءات والإجتماعات تنصب حالياً لإحياء المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات من أجل بحث القضايا العالقة، وخاصة الجوهرية منها المتعلقة بالحل النهائي ومن أهمها: قضايا القدس والاستيطان والحدود والمياه وحق العودة واطلاق سراح الأسرى. وما زالت هذه الجهود المشكورة تراوح مكانها لسبب أساسي وجوهري وهو أن النوايا الاسرائيلية لانهاء الاحتلال غير جدية، إذ أن الهدف من كل التصريحات والدعوات الموجهة إلى الفلسطيني للعودة إلى طاولة المفاوضات هو تضييع للوقت مع خداع للعالم بأن الصراع قد انتهى بهذه المفاوضات واللقاءات.
لو فرضنا أن الجانب الفلسطيني، وتلبية لرغبات الأصدقاء من قادة دول في العالم، ولاثبات نواياه الجادة في تحقيق السلام مع أنها ليست بحاجة إلى اثبات، وافق على العودة إلى طاولة المفاوضات، فماذا ستحقق هذه المفاوضات مع الطرف الاسرائيلي وهو يواصل مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان في القدس العربية، ويَدّعي أن القدس العاصمة الأبدية والموحدة لدولة اسرائيل، ولا تنازل عن شبر منها، وهو أيضاً يقول أن لا حق عودة للفلسطينيين، وأن رسم الحدود سيتم فيما بعد، واليوم سيتم الحديث عن حدود مؤقتة، وأن الدولة الفلسطينية التي ستقام هي مقطعة الأوصال، وليست كاملة السيادة وليست قابلة للحياة ما دامت اسرائيل صاحبة السيادة الأمنية عليها..
تفاوض الفلسطينيون مع الجانب الاسرائيلي لحوالي 18 عاماً حتى الآن، ولم تؤدِ هذه المفاوضات إلى حل نهائي وجوهري، وكل ما يتم هو مجرد إنجاز تافه سرعان ما تصادر نتائجه اسرائيل.. ووقع الفلسطينيون اتفاقيات عديدة مع اسرائيل، ولكنها من طرفها لم تلتزم بتوقيعها ولم تحترمه أيضاً، ولم تطبق أو تفِ بما قطعته من وعود في هذه الاتفاقيات. وفي حال التوصل إلى اتفاق ما، فمن سيضمن تطبيقه مع التذكير أن الإدارة الأميركية رعت العديد من التفاهمات بين الجانبين، ولكن هذه التفاهمات لم تطبق على أرض الواقع... وقبل الفلسطينيون بخطة خارطة الطريق الاميركية، واقرها مجلس الأمن في قرار خاص صوت لجانبه جميع الدول الأعضاء فيه وحمل القرار رقم 1515، ولكن ماذا نفذت اسرائيل من استحقاقات هذه الخطة أو هذا القرار الدولي؟ بالطبع لا شيء رغم أن الجانب الفلسطيني طبق كل ما هو مطلوب منه وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، وفرض القانون والنظام، ورغم أن هذا المطلوب منها كان شاقاً وصعباً ومعقداً..
والتساؤل الذي يجب الاجابة عليه هو: لماذا ترفض اسرائيل قرارات الشرعية ولا تلتزم ولا تحترم أي اتفاق توقع عليه اذا ارتأت أنه يتعارض ولو قليلاً مع مصالحها؟
والإجابة واضحة ولا تحتاج الى عملية حساب طويلة ومعقدة، وهي معروفة للجميع، وهي أن الدعم الدولي لها كبير "ولا ينتهي"، وجميع دول العالم تتوسل في بعض الأحيان للحصول على رضاها.. والدعم الاميركي لها لا محدود، وخير مثال على ذلك أن الرئيس الاميركي اوباما طالب اسرائيل بوقف الاستيطان، ولكنها رفضت هذا الطلب، أي أنها تجرأت على رفض هذا الطلب، كما تجرأت على رفض جميع القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وكذلك القرارات المتعلقة بالاستيطان والجولان والقدس، لأنها هي فوق القانون الدولي، وهي فوق كل المطالب، وهي دائماً على حق مهما فعلت إذ أن التبرير جاهز لكل ما ترتكبه من مجازر وتصرفات عدوانية ضد المواطنين العزل، إنها تمتلك حق الدفاع عن النفس، ولا يحق لآخر ذلك، يحق لها أن تدوس على حقوق الانسان وكل المواثيق الدولية، لأنها فوق القانون.. ويحق لها أن تطالب الآخرين بتطبيق قرارات مجلس الأمن وهي في الوقت نفسه لا تحترم ولا تطبق أي قرار من هذه القرارات.
يجب الإعتراف بأن اسرائيل دولة مدللة، لذلك، فإن قادتها لا يخشون أي شيء، ويتمادون في التصرف، والعودة الى المفاوضات لن تؤدي إلى نتيجة لأن العقلية الاسرائيلية في التوسع والاستيطان والهيمنة ما زالت راسخة وموجودة، ولأن قادتها يتعاملون مع الأراضي التي احتلت عام 1967 على أنها أرض غير محتلة، وهي أراضٍ ضمت لإسرائيل بصورة فعلية وعبر الممارسة والتطبيق على أرض الواقع، ويعتبرون التفاوض مع الجانب الفلسطيني هو بحد ذاته "تنازل" كبير..
من الضروري أن تتغير هذه العقلية الاسرائيلية، ومن الضروري أن يفهم قادة اسرائيل أنه لا يمكن أن تبقى دولتهم فوق القانون، وكذلك يجب على الإدارة الاميركية أن تدرك أن انحيازها لاسرائيل هو سبب العداء الذي تواجهه في اوساط العالمين العربي والاسلامي، وما بين شعوب الأرض الحرة قاطبة، وعليها ألا تدعم اسرائيل حتى في ممارسة الخطأ وارتكاب المجازر واقتراف الذنوب العديدة المكشوفة... وعلى الإدارة الاميركية أن تدعم القانون الدولي والقرارات الدولية، وتطبيق ذلك بمعيار واحد لا بالعديد من المعايير..
كل التحركات والنشاطات السياسية للعودة لطاولة المفاوضات ما هي إلا جهود لن تؤتي الثمار المرجوة، لان التحرك الأساسي والمطلوب حالياً هو أن تكون اسرائيل تحت طائلة القانون الدولي لا فوقه، لأنه لو شعرت بأنها تحت طائلة القانون، وقد تتعرض لعقوبات وليس هناك من داعم لها، فإنها ستغير من عقليتها التوسعية والعدائية والعنصرية.
ليس من مصلحة العالم أن تبقى اسرائيل فوق القانون الدولي، ولن تحقق المفاوضات الحالية والمستقبلية أية نتائج إذا بقيت اسرائيل مدللة وفوق القانون الدولي وفوق كل الشرائع والمواثيق الدولية.
على العالم أن يجبر اسرائيل على أن تكون جزءاً منه تحترم قوانينه قبل تضييع وقته وجهود على احياء مفاوضات ستراوح مكانها ولن تعطي النتائج المرجوة والمطلوبة!؟