
من فلسطين إلى العراق فإيران وأفغانستان لم يقل شيئاً ونَفذّه
... وفي محصّلته النهائية لم يخرج عمّا "أنجزه" جورج بوش!


قبل إنتهاء العام الأول من ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلتقت انتقادات معظم السياسيين والمحلّلين على وصف أدائه بالتذبذب والتردّد وحتى العجز عن فعل الحدّ الأدنى من الطرح الذي عبّر عنه ووعد بتنفيذه أثناء حملته الإنتخابية وأيام رئاسته الأولى، على أمل أن يتمكّن من تبييض الصفحة السوداء للولايات المتحدة التي تركها سَلَفه جورج بوش في كل الميادين الداخلية والخارجية، ولكن شيئاً مما تحدَّث عنه لم يُنفّذ حتى الآن. ورغم ذلك ما زال يتحدّث وإن بنبرة اقلّ وثوقاً وأكثر تردداً، من خلال التأكيد على التمسّك بما اختطّه لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، وما يودّ تنفيذه حسبما وعد – ولو بالكلام حتى الآن -.
إذا إستعرضنا ما تعهّد به فيما يتعلق بقضية شعبنا التي اصطُلح على تسميتها بـ "نزاع الشرق الأوسط"، وتأكيده على حلّ الدولتين، وإشارته إلى "الشعبين اللذين عانى كل منهما من ماضٍ مؤلم" دون أن يُفرّق بين معاناة شعبنا التي سبَّبها قيام الكيان الصهيوني على أرضنا، ومعاناة "الشعب الآخر" التي حدثت قبل سبعة عقود، وتسبّب فيها غيرنا وليس نحن، كما تمّ التكفير عنها على حسابنا وليس على حساب مسبّبها..!
... وإذا قارنا تأكيده هذا بما نفّذه على الأرض، وما وصلت إليه الحال في هذه الأيام بالنسبة للمشكلة التي أعتُبرت إمتحانه الأول، لوجدنا أننا لم نتقدّم خطوة إلى الأمام في طريق الحلّ السلمي، بل عُدنا الى الوراء، وكانت عودتنا عبر أطروحات خبيثة مخادعة، حربائية الصياغة والمفردات، فاقدة لجدّية التنفيذ، ولم تَقِلَّ في آذاها – سواء أراد أوباما ذلك أم لم يَرِدْه – عمّا ارتكبه مجرم الحروب جورج بوش، خصوصاً بعد إعلانه رفض الإستمرار في عملية الاستيطان الصهيوني، ثم العودة عن ذلك، وتذبذُبْ موقفه مراراً وبشكل مخجل من هذا الموضوع الحساس، والذي كان من الممكن أن يشكّل مفتاحاً لبداية مفاوضات جدّية، إذا كانت هناك رغبة بذلك من قبل الطرف الآخر.
القضايا الأخرى على نفس المنوال!
هذه الطريقة في التعامل التي تميّزت بها شخصية أوباما انسحبت على تعامله مع سائر القضايا والتحدّيات الأخرى التي حدّد موقفه الكلامي منها في السابق بنفس الأسلوب. وإذا كانت نتائجها الفشل الذريع حتى الآن في مواجهة المشكلة الأولى التي وضعها نصب عينيه، وما ترتّب على ذلك من آثار سلبية عادت عليه وعلى شعبنا، وقضايا السلم في العالم، فإنها أدّت في الوقت نفسه إلى تعزيز النَفس الصهيوني الإستعلائي داخل "إسرائيل"، بدل أن تُخفّف من غلوائه. وقد رافقها تردّد وضباب كثيف في مواقفه من القضايا الساخنة الأخرى التي حدّدتها إدارته بالعراق وإيران وأفغانستان.
لم يعد أحد يُنكر أن ما قيل من تعهّدات ورؤى حول هذه الساحات قد تَبَخّر سريعاً، وبكيفية تؤكد التراجع الحاد إلى حدّ العجز عن اتخاذ قرار جريء واضح من قبل الرئيس الأميركي، حتى لو كان في غاية السوء مثلما عَوّدَنا على ذلك سلفه سيّء الصيت. وهذه الكيفية هي التي عبّرت عن شخصيته حتى الآن، وقد وصفها البعض – تلطيفاً – بالدبلوماسية، بدل وصفها بالتردد والضعف في اتخاذ القرار الحازم. وهي لا تختلف في محصّلتها النهائية، وإن اختلفت في أسلوبها، عن محصّلة شخصية بوش التي كانت حازمة في القرار والموقف الإجرامي بشكل أكثر خصوصية.
مسلسل التراجع والتردّد
فمن يتمعّن بما قاله أوباما عن الوضع العراقي، وكيف أن الحرب بالنسبة لهذا البلد "كانت قراراً لم نضطر إلى إتخاذه بل اخترناه" على خلاف أفغانستان، ثم وَعْده بفتح تحقيقات حول الجرائم التي ارتكبتها قواته ضد المدنيين فيه، وعزمه على نشر صور الإنتهاكات والمعاملة غير الإنسانية التي تعرَّض لها المعتقلون في سجونه، تدليلاً على رفضه لهذا النهج، سوف يرى أن كل هذا الطرح وما رافقه من وعود، لم يكن إلاّ كلاماً في الهواء. أي "استراتيجية لفظية" وليس نهج عمل أو خيارٍاً مبدئياً ونهائياً. فلا الإنسحاب الذي حُدّد موعده يبدو مؤكداً على الطريق ولا العدالة والإستقرار قد تحقّقا، وما احتلال حقل الفكّة النفطي من قبل إيران وسكوت الأميركان على ذلك، إلاّ مثلاً على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً بصورة أفظع وأكثر ضرراً، الأمر الذي سيستدعي "بطبيعة الحال" استمرار وجود قوات الإحتلال الأميركي تطبيقاً لـِ "روح الاتفاقية الأمنية"، طالما بقي التهديد الخارجي قائماً!
وهكذا تبدو النتيجة واضحة، من خلال التحكّم ببقاء معادلة تقاسم حكم العراق بين "الشيطان الأكبر" وعضو "محور الشر"، إلى أن يشاء الله! ولهذا السّبب – على الأرجح – لم يأتِ السناتور الديمقراطي السابق جورج ماكغيفرن على ذِكْر العراق فيما كتبه مؤخراً، محذّراً الرئيس أوباما من عواقب الفشل الأميركي بأفغانستان، وتذكيره بتجربة فيتنام، ثم الطلب منه إعادة مراجعة استراتيجيته، ليس بالنسبة لأفغانستان فقط، بل بالنسبة لإيران أيضاً التي على الولايات المتحدة أن تعرف هدفها طويل المدى من "التعامل" معها كما قال: هل هو تشجيعها على أن تكون قوة إقليمية مميّزة، أي شريكة لها ولإسرائيل كما كانت في الماضي (عهد الشاه)، أم التعامل معها على أساس أنها عدّوة ومصدر عدم استقرار؟.
ويأتي عدم ذكر ماكغيفرن للعراق لسببين لا ثالث لهما: إما أنه اعتبر الإنسحاب الأميركي تحصيل حاصل (ولكلٍ رؤياه لهذا الحدث)، أم لاعتباره أن الإحتلال دائم، من وجهة نظره وحسب الأجواء السائدة، وما يتأكّد على الأرض!
أما أفغانستان التي تذبذبت مواقفه منها إلى حدّ عجيب، فقد تراوحت بين اعتبارها في البداية حرب ضرورة – كما سبق القول – والتوجّه نحو النظر في جدوى هذه الحرب وبقاء القوات الأميركية هناك، ثم الإنتقال إلى تبنّي موقف مناقض لما سبق، عبّر عنه أمام قمة الأمم المتحدة في أيلول الماضي بالقول إن موضوع الإنسحاب، أو الحدّ من عدد القوات الأميركية في أفغانستان، لم يعد خياراً مطروحاً، رغم إدراكه وإدراك القيادات السياسية والعسكرية الأميركية أن الوضع في هذا البلد لم يتغيّر، ولم يتم "ترتيب" أوضاعه كما تريد الولايات المتحدة. فلا القاعدة قُضيَ عليها، ولا أفغانستان شهدت الحرية والأمان والديمقراطية، بل تم الإكتفاء باسقاط نظام حركة طالبان التي عادت إلى باكستان (مركز إنطلاقها الأساسي) وباتت تُهدّد الآن بالعودة لأفغانستان والتأثير في باكستان، وربما في الجمهوريات الإسلامية الأخرى التي خرجت من تحت عباءة الإتحاد السوفييتي السابق بعد سقوطه. وهذا الوضع يعني بكل وضوح أنه إذا كانت أطماع الأميركان في هذا البلد قد ضُربت في الصميم، ولم يتمّ تحقيق أي هدف لهم، فإن ما ينتظرهم أخطر بكثير.
مَثَل على الفشل... من بريطانيا
ومع ذلك، فإن حيرة أوباما وضعفه عن اتخاذ القرار المناسب والجريء لم يتوقفا عند هذه الحدود. وإذا أردنا إحصاء الأمثلة فهي طويلة ولا تقتصر على موقفه التراجعي من موضوع الردع الصاروخي، ولا الحرص على "مداراة" إيران والصبر عليها والتراجع عن كل التهديدات التي وُجهّت لها في السابق، ولا التوقّف عن التحقيق ونشر صور التعذيب، بل التوقّف عن مساعدة أقرب حلفاء الولايات المتحدة في هذا المجال، الى الحدّ الذي دفع عدداً من النواب البريطانيين، وهم أعضاء اللجنة البرلمانية المهتمة بمتابعة البرنامج السرّي للمخابرات الأميركية حول الترحيل السرّي للمشتبه بعلاقاتهم مع الإرهاب، إلى رفع دعوى قضائية ضد "السي.آي.إيه" أمام إحدى المحاكم الأميركية في واشنطن العاصمة، تطالبها فيه – ومعها مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف.بي.آي" وأجهزة الأمن – بالكشف عن الدور البريطاني في برنامج الترحيل السّري، بعد تقاعسها عن الرد طوال عام كامل على المعلومات التي طلبتها هذه اللجنة البرلمانية، ومن بينها "ما يتعلق بتسليم القوات البريطانية في العراق إلى الجيش الأميركي "محتجزين مشبوهين" تمّ نقلهم جواً إلى أفغانستان، وبعدها إلى جزيرة دييغورا غارسيا أو إلى البلدان المتخصصة بخدمة الأميركان في مجال التعذيب على طريقة غوانتانامو وأبو غريب، إضافة إلى ما يتعلق بمعرفة المزيد عن حجم استخدام المجال الجوّي البريطاني وكذلك المطارات لهذا الغرض، وطبيعة الإتفاقات المخابراتية أو العسكرية المبرمة بين الولايات المتحدة وبريطانيا حول تسليم المطلوبين.
اختلفت المنطلقات والنتيجة واحدة!
الغريب في هذا السياق، أن فشل بوش بأسلوبه الإجرامي في تحقيق أي إنجاز بالنسبة لمواجهة قضايا الشرق الأوسط والعراق وإيران وأفغانستان، لم يختلف عن فشل أوباما بأسلوبه الدبلوماسي المتردّد في مواجهة هذه القضايا ذاتها. ومع ذلك أمضى الرئيس السابق سنوات عهده الدموي "سمناً وعسلاً" مع الكونغرس ومجلس الشيوخ، ولم يواجه صعوبات ولا حملات كالتي يواجهها أوباما في هذه الأيام تحت لافتة الإعتراض على مواقفه وتراجعاته، فما هو السرّ الكامن وراء ذلك، باستثناء أن الأول كان واضحاً وحاسماً في غطرسته وعدوانيته أمام العالم، أما الأخير فهو واضح في تعثّره وعدم استقراره على موقف، فضلاً عن أن بوش كانت طبيعته وخياراته أكثر انسجاماً مع طبيعة وخيارات كل من الكونغرس ومجلس الشيوخ.
الحقيقة أن هذين السببين لا يفسّران إختلاف المنطلقات البوشيّة عن الأوبامية ثم انتهائهما عند نتيجة واحدة. لكن هذا الوضع يطرح تساؤلات محيّرة ومشروعة في آن، حول خيارات أوباما الحقيقية، منذ بدء حملته الإنتخابية نحو الرئاسة، ثم نجاحه وإطلاقه العديد من الوعود الوردية، إلى جانب تأكيده على هذه الخيارات المتناقضة مع نهج سلفه الذي ترك له عبئاً ثقيلاً من المشاكل والمعارك المفتوحة: ترى هل كانت هذه الوعود التي تتلخص باختيار حل الدولتين، واستبدال القتال بالحوار، والعداء بالتفاهم، ووضع حدّ لخرق القانون والملاحقة والتعذيب... الخ، صادرة عن إيمان حقيقي برؤى استراتيجية، أم أنها "حركات تكتيكية" هدفها التمايز عن سلفه، ومحاولة إخراج الولايات المتحدة عن الإطار المجرم وغير الإنساني الذي وضعها فيه جورج بوش، بعد أن وصل السخط الشعبي عليه إلى أوجه، على أمل أن يُشكّل في نظر الأميركيين والعالم البديل المختلف، وهو مدرك سلفاً أنه لن يستطيع تحقيق ما بشّر به؟
خطابه في القاهرة دلّ عليه
ثمّة من يقول في الولايات المتحدة أنه جاد وصادق، وهو يتميّز بالكياسة والثقافة ويرجّح العقل على القوة، لكنه غير قادر على التنفيذ لأسباب عديدة منها تركيبة الطاقم الذي اختاره الى جانبه، سواء في الحكومة أم على صعيد كبار المستشارين داخل البيت الأبيض وخارجه، ومن هؤلاء من تمّ وصفه بالمعرقل لبعض الخطوات والإجراءات، وثمّة من كان منذ الأساس ضد توجهّات أوباما وأولوياته، لا سيما فيما يتعلق بأولوية التسوية السلمية لحلّ ما سُمّي "نزاع الشرق الأوسط"، وهذه التركيبة بمجملها تتناغم مع أجواء الكونغرس ولوبيّات السياسة والمصالح.
بالنسبة لنا نحن العرب، كان وما يزال بإمكاننا أن نحكم عليه بمجرّد أن سمعنا خطابه "التاريخي" الموجّه الى العالم الاسلامي من جامعة القاهرة، وهو ما قرأناه فعلاً ومن يومها في "البيادر"/ عدد 972 تحت عنوان الأسلوب الحربائي لخطاب أوباما في القاهرة. ويمكن لكل من يعود إليه أن يرى كيف حرص أوباما على أن لا يأتي بجملة واحدة تعكس موقفاً محدداً بوضوح، بل أتى بكل ما يقبل التأويل والتفسير على أكثر من منحى ومعنى.
حدث هذا بالنسبة لفلسطين والعراق والموقف من النووي الإيراني ومن قضية أفغانستان وغيرها. لذلك لم ولن نستغرب أبداً أن تكون حصيلة عامه الرئاسي الأول – أو الأخير – بهذه النتيجة، اللهم إلاّ، إذا كان يتمتّع بدهاء غير مسبوق، وخرج علينا بمعجزة لم نحسب حسابها، مع أن زمن المعجزات قد ولّى إلى غير رجعة... والله أعلم.