
المشردون يدعون الفرقاء الفلسطينيين إلى التعالي على الجراح
والإسراع في توحيد الصفوف


*المدهون:ـ لجنة توثيق جرائم الحرب وثقت ما يزيد عن 1500 جريمة ارتكبت خلال الحرب
* جنيد:ـ حرمونا من أبسط حقوقنا وسلبوا الفرحة من شفاه أطفالنا
* دردونة:ـ ما تعرضنا له كان أبشع من المحرقة التي هددونا بها
* عبد الله:ـ قوات الاحتلال تعمدت تدمير المنازل وتعريض حياة المدنيين للخطر
غزة- خاص بـ"البيادر السياسي":ـ تقرير/ محمد المدهون
بعد مرور عام على العدوان البشع الذي شنه المحتلون على قطاع غزة وما عرف بعملية "الرصاص المصبوب" لا تزال معاناة مئات العائلات الفلسطينية على حالها.. عائلات ثكلى، وأخرى مشردة جراء تدمير منازلها بشكل كامل من قبل الآلة الحربية الإسرائيلية، ومستقبل مجهول بالرغم من الحديث عن إعادة الإعمار، لكن الأمر الذي زاد الطين بلة ما تركته الحرب الإسرائيلية والغازات السامة التي ألقتها قوات الاحتلال من انعكاسات على الأرض والإنسان الفلسطيني، والتي ُيرجح أن تكون تحمل مواد مسرطنة ومشعة من شأنها التسبب في الإصابة بالسرطان وأمراض مختلفة، وهو الأمر الذي حذرت منه جهات فلسطينية مختصة.
"البيادر السياسي" تسلط الأضواء في التقرير التالي على معاناة المواطنين الفلسطينيين بعد عام من الحرب والعدوان، وانعكاسات الحرب عليهم.
23 يوماً من المجازر
في الساعة الحادية عشرة والثلث من صباح يوم السبت السابع والعشرين من كانون أول/ ديسمبر عام 2008 غطت طائرات الإف 16 الإسرائيلية بشكل مفاجئ سماء قطاع غزة، وألقت بصورة وحشية حمولتها الفتاكة صوب العشرات من المواقع الأمنية والعسكرية الفلسطينية، موقعة أكثر من مائتي شهيد ومئات الجرحى في ضربة جوية هي الأقوى في تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.. دماء الشهداء روت مختلف بقاع قطاع غزة، وأشلاؤهم تناثرت في كل مكان.. تكبيرات الله أكبر انطلقت من حناجر الغاضبين الذين هبوا لتفقد أبنائهم الذين مزقتهم صواريخ الغدر.. وتتواصل المجازر يوماً بعد يوم.. 23 يوماً ذاق خلالها المواطنون أبشع أنواع القتل والتنكيل، القصف لم يتوقف من البر والبحر والجو، موقعاً المزيد من الضحايا معظمها في صفوف المدنيين الأبرياء الذين فروا من منازلهم القريبة من المناطق الحدودية، ولجأوا إلى مدارس وكالة الغوث لعلها تكون أكثر أمناً من منازلهم المدمرة، إلا أن قذائف الاحتلال لاحقتهم حتى في ملجئهم، فكانت مجزرة مدرسة الفاخورة في جباليا التي راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى، كما استخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية خلال عدوانه، حيث أجبرهم على تفتيش منازل المسلحين تحت تهديد السلاح..!.
أما المساجد فلم تسلم من جرائم المحتلين، فقد قصفت عشرات المساجد فوق رؤوس المصلين تحت حجج ومبررات اعتادت آلة الحرب الإسرائيلية على ترويجها..!!.. قذائف الفسفور الأبيض والغازات السامة انهالت فوق رؤوس الأطفال والنساء، وحرقت الأرض والبشر والشجر والحجر، وتركت مخلفاتها وآثارها على صحة الإنسان وأرضه التي بات الكثير منها لا يزرع، وإن زرع فلا ينمو فيها الزرع.. حرب شعواء شنها المحتلون ضد قطاع غزة في وقت استمر ولا يزال فيه الحصار الخانق المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني يقطنون في هذه البقعة الجغرافية التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلو متراًَ مربعاً من أرض فلسطين.. خراب ودمار في البيوت والمصانع والمنشآت والطرقات والبنية التحتية خلفها جنود الاحتلال ورائهم.
جرائم حرب
كما اعتقلت قوات الاحتلال خلال عدوانها أيضاً عدداً كبيراً من المواطنين لاستجوابهم، واحتجزتهم في ظروف قاسية بدون إعطائهم ما يكفي من طعام وماء وصرف صحي وفقاً لما جاء في تقرير جولدستون، الذي وصف تلك التصرفات بأنها ترقى إلى جرائم حرب.
وكما بدأ المحتلون حربهم وعدوانهم على غزة واتخذوا قرار شنها بمفردهم، كذلك اتخذوا قرار وقفها بمفردهم ومن جانب واحد، وبدأوا ينسحبون من الأراضي التي احتلوها تدريجياً، في حين أبقوا على حصار قطاع غزة مطبقاً، وبدأ المشردون بالعودة إلى منازلهم تدريجياً يتفقدون ما حل بها من دمار وخراب، وينتشلون ما تبقى من جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، حيت تم انتشال ما يزيد عن مائة شهيد تقطعت أشلاؤهم جراء شدة القصف.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة ذكر أن 1417 فلسطينياً استشهدوا خلال الحرب البشعة التي شنها المحتلون على غزة، 65 % منهم من المدنيين، ومن بين هؤلاء 313 قاصراً، و116 امرأة، فيما أصيب نحو خمسة آلاف فلسطيني، في حين ذهبت إحصائيات أخرى إلى أكثر من ذلك، بينما اعترف الاحتلال بقتل عدد أقل لا يتجاوز 1100 شهيد، وادعى أن 60% منهم من المقاومين، في حين تشير الحقائق إلى أن غالبية الضحايا هم من المدنيين الذين قصفت بيوتهم فوق رؤوسهم.
أما خسائر الاحتلال خلال الحرب على غزة، فقد قتل تسعة إسرائيليين، ثلاثة منهم مدنيون، وأحد عناصر القوات الأمنية، وأصيب العشرات من الإسرائيليين في هجوم بصواريخ أطلقها مقاومون فلسطينيون علي جنوب إسرائيل، كما قتل خمسة جنود في قطاع غزة.
وطبقا لما أفادت به الأمم المتحدة، فقد لحق الدمار الكامل بأكثر من 3530 منزلاً في قطاع غزة، وتعرض أكثر من 2850 منزلاً إلى دمار شديد و52900 لدمار جزئي، كما دمرت أيضاً وزارات ومقار أمنية ومراكز شرطة لحركة حماس التي تحكم غزة.
حرب إبادة

القاضي ضياء المدهون، رئيس اللجنة المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين في غزة أكد أن العدوان الأخير على غزة جاء في سياق حرب إبادة يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، ووفق سياسة دولة ممنهجة أكدت عليها تصريحات القادة الصهاينة، ولا أدل على ذلك مما كشفته تقارير الخبراء الدوليين من استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي أسلحة تحتوي على معادن سامة ومشعة ومسرطنة خلال العدوان.
وأضاف في مؤتمر صحفي عقده لهذا الغرض على أنقاض مجمع السرايا الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية: إن جميع التقارير الدولية، سواء التي قُدمت للأمين العام حول استهداف منشآت الأمم المتحدة، أو تقرير المفوضية السامية، أو تقرير جولدستون، تؤكد جميعها على أن قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهكت كل قواعد حقوق الإنسان الأساسية في زمن الحرب، مشيراً إلى أن اللجنة المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وثقت ما يزيد عن 1500 جريمة ارتُكبت خلال الحرب.
وأكد المدهون على أن امتناع الاحتلال عن إجراء تحقيقات وفق المعايير الدولية في الجرائم، ورفض قادته للتعاون مع أي تحقيق دولي يضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته في التحقيق بالجرائم المرتكبة، مثنياً في الوقت نفسه على توصية تقرير جولدستون التي تقضي بتفعيل الاختصاص الجنائي العالمي في كل محافل القضاء الوطني.
كما ناشد المدهون البرلمانيين في الدول العربية إلى اتخاذ تشريعات تسمح لقوانينها لملاحقة وفرض عقوبات جزائية على مرتكبي الحرب ومن يقف خلفهم، داعياً أيضاً المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ومؤسسات المجتمع الدولي إلى البعد عن ازدواجية المعايير، والبدء في التحقيق بالجرائم، وإرسال البعثات للاطلاع على النتائج الخطيرة التي سببها استخدام الاحتلال لأسلحة غير تقليدية، إضافة إلى فك الحصار وإعادة إعمار قطاع غزة.
كلام في الهواء
عامر جنيد يسكن وسط تلتي جبل الكاشف وجبل الريس شرق جباليا، دمر الاحتلال منزله المكون من طابقين وحوله إلى كومة ركام، كما لم تسلم المنازل المجاورة من التدمير والخراب، بعضها سوته طائرات الاحتلال بالأرض، والبعض الآخر طاله دمار جزئي.. يستذكر جنيد تلك الأيام السوداء التي فقد خلالها منزله ومأواه الوحيد بالمزيد من الألم والحسرة.. يقول لـ"البيادر السياسي" لقد حرمونا من أبسط حقوقنا، وسلبوا الفرحة من شفاه أطفالنا، متسائلاً عن الذنب الذي ارتكبه حتى يهدم بيته ويشرد أطفاله، مشيراً إلى أن الاحتلال عمل على تشريد المواطنين بهدف زيادة معاناتهم، حيث استهدف المواطنين بشكل متعمد، وقام جنوده بتدمير المنازل وقصفها دون أي وجه حق، وأضاف جنيد أن معاناتهم مازالت مستمرة رغم مرور عام على الحرب، حيث لا يزال مشرداً مع أفراد أسرته يتنقل بين بيت وآخر، دون أن يتمكن من بناء بيته من جديد.. وعودات وصفها بكلام في الهواء تلقاها المشردون لا تزال لا تعدوا كونها وعودات، ولم تخرج إلى حيز التنفيذ تحت مبررات واهية، والمشردون على حالهم.. ويضيف جنيد: لقد سئمنا كل هذه الوعودات، ولم نعد نصدق ما يقال حول إعادة الإعمار، إلا أننا في الوقت نفسه ندعو الإخوة الفرقاء إلى الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية تمهيداً لفتح الطريق أمام إعادة إعمار ما دمره المحتلون في قطاع غزة.
استخفاف
أما غسان دردونة الذي دمر الاحتلال منزله الواقع على تلة دردونة، فقد أكد أن أصحاب المنازل المدمرة يعيشون ظروفاً قاسية، خاصة في ظل فصل الشتاء والبرد ومياه المطر التي تتدفق داخل البيوت، مشيراً إلى أنه حاول إصلاح جزء بسيط من الدمار الذي لحق بمنزله، لكنه لم يستطع بناء البيت من جديد والذي تعرض إلى دمار كلي، ذلك بسبب عدم توفر المواد الخام وارتفاع سعرها.. ويضيف لـ"البيادر السياسي" أن ما تعرض له شعبنا خلال هذه الحرب يعد أبشع من المحرقة التي هدد بها قادة الاحتلال، فالمحرقة لن تكون نتائجها بهذا الشكل المفجع، فالدمار شمل كل شي، ولم يستثن أي من البنية التحتية والمنشآت والمنازل والمصانع والمؤسسات حتى أن مؤسسات الأمم المتحدة لم تسلم من الدمار والقصف، ورأى دردونة في ذلك استخفافاً بالأمم المتحدة والهيئات الدولية من قبل قوات الاحتلال التي لا تعير أحداً أي اهتمام لأنها تتعامل وكأنها فوق القانون.
فساد وخراب
وفي عزبة عبد ربه إلى الشمال من جبل الكاشف التي كانت مسرحاً لجرائم قوات الاحتلال، قال المواطن منصور عبد الله أنه ترك منزله منذ اليوم الأول للاجتياح البري، حيث استباح جنود الاحتلال هذه المنطقة وعاثوا فيها فساداً وخراباً، مشيراً إلى أن منزله دمر بأكمله، كذلك جرفت أرضه التي كانت مزروعة بالأشجار المثمرة، وخاصة الحمضيات، وأكد عبد الله لـ"البيادر السياسي" أن ما قامت به قوات الاحتلال خلال الحرب لا يوصف، وتعجز الكلمات عن وصفه، ذلك لأن حجم الدمار والخراب يفوق كل التصورات، مؤكداً أن قوات الاحتلال تعمدت تدمير المنازل وتعريض حياة المدنيين للخطر، لافتاً إلى أنه تم انتشال العديد من جثامين المواطنين الأبرياء بعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، من بينها جثمان شهيد في السبعينات من عمره وفي يده راية بيضاء، حيث قتله المحتلون رغم أنه رفع الراية البيضاء والتي تعني أنه مسالماً، فلم يشفع له ذلك عند عدو مجرم اعتاد على القتل وسفك الدماء، ولم يشفع له سنه المتقدم، مما يدلل على أن كل من على هذه الأرض هو مستهدف من قبل جنود الاحتلال، سواءً كان طفلاً أو شيخاً أو شاباً أو امرأة، داعياً إلى استخلاص العبر من هذه الحرب الظالمة، والاستفادة من دروسها، خاصة وأن العدوان لم ينته بعد، ولا تزال التهديدات الإسرائيلية بشن عدوان جديد على حالها. ورأى أن هذا يتطلب منا المزيد من الوحدة ورص الصفوف في مواجه هؤلاء المحتلين، والإسراع في إنهاء الانقسام. ودعا الفرقاء الفلسطينيين، باسم الأخوة التي تجمعهم والقضية التي ينتمون إليها، أن يتوحدوا ويكفوا عن محاربة بعضهم البعض.
ولم يختلف الحال كثيراً في منطقة العطاطرة، شمال قطاع غزة، التي تعرضت إلى دمار شديد هدمت قوات الاحتلال في هذه المنطقة عشرات المنازل، وكذلك منطقة أبراج الكرامة القريبة من البحر، ومنطقة السودانية وبيت لاهيا، التي كانت مسرحاً لجرائم الاحتلال، وفي الجنوب كانت منطقة حي الزيتون جنوب مدينة غزة مسرحاً آخر، حيث لا يزال المواطنون يذكرون مجزرة عائلة السمودى التي أبادها الاحتلال وقتل فيها العشرات من أبناء هذه العائلة.. جرائم لم يشهد التاريخ مثيلاً لها ستبقى وصمة عار على جبين الاحتلال، ومن وقف إلى جانبه، وساعده وأعطاه الضوء الأخضر لارتكابها..
فهل سنشهد يوماً يمثل مجرمو الحرب الإسرائيليون فيه أمام محاكم مجرمي الحرب على ما ارتكبوه من جرائم بحق شعبنا؟