
جماعة طنطاوي يردّون على فتوى القرضاوي: الجدار أقيم لمنع تسلل المجرمين.. وليس هناك أي مانع شرعي لتحريمه!؟

المفوض العام للأونروا: إنه من الفولاذ وصنع في الولايات المتحدة وعلى نفقتها وتم اختبار مقاومته للمتفجرات
... وآسفة للسيناريوهات المصرية التي لا تخدم إلا إسرائيل

نبيل أبو جعفر
"... إن بناء الجدار (المصري على حدود غزة) واجب لمنع الفتن ووضع الأمور في نصابها لتنظيم الدخول والخروج. وهذا الجدار مانع للمخطط الإسرائيلي باستخدام الفلسطينيين كرأس حربة بعد فشلهم في استرداد أرضهم فيجبرونهم على الخروج إلى سيناء تاركين أرضهم"!
هذا الكلام الفاقد للمصداقية، الذي يختلط فيه الكذب بالإفتراء وقلب الحقائق وادعاء التصدّي للمخطط الإسرائيلي، لم يقله قاصر أو معتوه لا يعرف بالسياسة، ولا لليبرالي صهيوني أو أميركي أو حتى عربي – لا فرق -، بل عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الشيخ الدكتور عبد الله النجّار، رداً على البيان – الفتوى الذي أصدره يوم 27 كانون الأول الماضي الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ووصف فيه الجدار الفولاذي الذي يجري العمل على إقامته في هذه الأيام بهمّة مصرية – أميركية عالية، بأنه عمل محرّم شرعاً، لأن المقصود منه، حسب قول القرضاوي، سدّ كل المنافذ على غزة، للزيادة في حصار أهلها وتجويعهم وإذلالهم والضغط عليهم، حتى يركعوا ويستسلموا لما تريده إسرائيل"؟
فأي المنطقين في نظر العاقل وحتى المجنون أصدق وأكثر تعبيراً عن الحقيقة؟
الشيخ القرضاوي لم يأت بجديد غريب في فتواه، ولا تضمّن هجوماً مقصوداً أو غير مقصود على أحد بل أقرّ واقعاً مثبتاً بالتصريحات المصرية والأميركية والإسرائيلية في آن، وبالواقع الجاري على الأرض. فلا أحد يستطيع الإنكار أن هذا الجدار من أساسه كان فكرة أميركية – أي صهيونية – وأن الولايات المتحدة قد عرضت في السابق على مصر إقامته وتغطية كامل تكاليفه البالغة 27 مليون دولار من قبلها، وقالت وقتها أسبوعية "ويكلي ستاندرد" الموالية للوبي الصهيوني تعليقاً على هذا الموضوع، أنه مع تزايد التوتّرات خفّفت مصر من موقفها تجاه الجدار الذي تقيمه اسرائيل في الداخل مع الفلسطينيين، وسيُسافر فريق من سلاح الهندسة الأميركي قريباً للمساهمة في بناء الجدار المماثل بين مصر وقطاع غزة.
وكان الباحث ديفيد شنكر، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، - وهو أحد أجنحة "إيباك" الصهيونية الأميركية – قد كشف مسبقاً في الأسبوعية نفسها/ عدد الثلاثاء 22 نيسان /ابريل الماضي، أن فرقاً من سلاح المهندسين العسكريين الأميركي ستتوجّه الى مصر قريباً للإشراف على بناء جدار عازل على الحدود مع قطاع غزة.
وجاء في التفاصيل التي ذكرها شنكر، ووزّعها موقع "أميركا إن أرابيك" على مشتركيه عبر الإنترنت، أن السلطات المصرية ستُسرع في إقامة هذا الجدار خشية حدوث تواصل بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، فضلاً عن أنه سيجعل مصر أكثر أمناً، لأن إسرائيل قد تعلّمت منذ زمن طويل – حسب قول شنكر – أن "جداراً جيداً يخلق جيراناً جيّدين"!
عدا عن ذلك، فإن كلام الشيخ القرضاوي الذي لم يردّ على أي فقرة فيه أحد غير بعض مشايخ الأزهر من أتباع الشيخ محمد سيد طنطاوي والسائرين على نهجه الشاذ عن نهج أسلافه – فيما يتعلق بالهرولة وراء التقرّب من الصهاينة تحت ذريعة "الجنوح إلى السلم" – تُثبته المعلومات والوقائع وحتى المشاعر التي عكستها مواقف السلطتين المصرية والأميركية وكذلك الباحث شنكر. أما ما وَرَد في ردّ الشيخ النجّار بأسلوب هجومي لم يراعِ فيه مشاعر الإنسان العربي والمسلم، ولم يضع اعتباراً لعقله وفهمه، فقد جاء مجافياً للحقيقة والواقع بشكل لا يرضى الأمّي فاقد العلم والثقافة التفوّه به. فكيف يمكن أن يكون الجدار مانعاً للفتنة كما قال، ما دامت فكرة إقامته أميركية صهيونية في الأساس، وما دامت تكاليفه ستُدفع من الميزانية الأميركية – وربما المخابراتية أيضاً -؟ وهل الجدران العازلة التي تُقام على طول الحدود بين الدول، ولا سيما الأشقاء، هي التي تُنظم الدخول والخروج بينها؟ وبأي منطق – في ضوء ما سلف – يجرؤ الشيخ الأزهري نجّار على القول أن الجدار ذاته مانع للمخطط الإسرائيلي باستخدام الفلسطينيين كرأس حربة بعد فشلهم في استرداد أرضهم فيُجبروا على تركها والتوجه إلى سيناء؟
غباء الكلام والمنطق الأعوج
إن أغبى التصريحات وأكثرها شبهة، لا يمكن أن تصل إلى هذا الحدّ من العمى والهوان والإستخفاف بعقول ومشاعر الناس.
وزاد الطين بلّة – كما يقولون – تنطُّح شيخ أزهري آخر للوضع بنفس التوجّه الطنطاوي، وهو الدكتور محمد الشحّات الجندي، أمين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو مجمع البحوث بقوله إن بناء هذا الجدار لا يندرج تحت مسمّى المحرّمات، لأنه ليس هناك مانع شرعي أو دليل على تحريمه، ما دام الفلسطينيون يدخلون ويخرجون من خلال المعابر، خصوصاً وإننا ببناء الجدار نحمي أنفسنا من تسلّل المجرمين بل الإسرائيليين أنفسهم..."!"
شيخ أزهري بهذا المستوى العلمي المُسلّح بـ شهادة "دكتوراة فقهية"، هل يُمكن أن يجهل ما يجب أن يُدرج تحت مسمّى المحرّمات، وما لا يجب من مستجدّات الحياة الآنية، بطريقة القياس لا النص الحرفي، حيث يُفترَض اللجوء إلى القياس؟
هل كانت البودرة المخدّرة المنتشرة – مع الأسف – في ربوع مصر المحروسة هذه الأيام، معروفة في أيام الرسول العظيم، كالخمر والميسر والدم ولحم الخنزير... الخ، حتى ينزل نصّ إلهي أو حديث نبوي شريف بتحريمها؟ وهل يجهل شيخ بهذا المستوى الذي يفرض علمه بالأنباء اليومية على الأقل، أن المعابر تُفتَح وتُغلق حسب المزاج الرسمي والمخابراتي والمقاصد الرامية للفتح والإغلاق؟
عدا ذلك، من هم المجرمون الذين يتسللون عبر الحدود حسب قوله؟ هل هناك في ظل "السلام" المستمر منذ كامب ديفيد الى اليوم غير الفلسطيني الساعي لجلب الغذاء واحتياجات الإنسان المحاصر المحروم من متطلبات الحياة الأساسية، بعد أن تعذّر عليه ذلك من جراء الحدود "المفتوحة" دوماً؟
ثم هل حدث يوماً أن تسلّل إسرائيلي في ظل انفتاح كل الأبواب والمعابر الجوية والبحرية مشرّعة أمامه بكل الترحاب و"السلام"، كي تلجأ مصر إلى حماية نفسها منه – تحديداً – عبر إقامة هذا الجدار (الاميركي) الحريص على عدم تسلل الإسرائيلي؟!
القرضاوي: لا يجوز بحكم القومية والدين والإنسانية
حتماً لم يطّلع شيخ الأزهر، وإن اطّلع لا يريد أن يتذكّر على أغلب الظنّ، ما قالته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، في عدد يوم الأربعاء 13 كانون الثاني 2009 حول قيام السلطات المصرية بالعمل على تعقيد الأمور في وجه حركة حماس، وأنها لم تتورّع عن رفض عدّة طلبات للحركة بوقف العدوان قبل إقرار صيغة اتفاق وقف إطلاق النار. وبكلام أكثر صراحة قالت "أحرونوت" أن هذا التصلّب ليس مصدره إسرائيل وإن كان يُحقّق مصالحها، بل السلطات المصرية!
أمام هذه الوقائع وما استجدّ طوال الفترة الماضية، وحتى تصدّي السلطات المصرية في يومنا هذا لقافلة شريان الحياة التي تحمل أجانب وعرباً من الأحرار، ثم منعها من التوجّه إلى غزة، في الوقت الذي تجتاح فيه العالم تظاهرات الإستنكار لجريمة العدوان على غزة في ذكراها الأولى، تعمَّد القرضاوي القول في بيانه الإفتائي أن من حق مصر السيادة على بلدها، واستدرك مكمّلاً: "إنها حرّة في المساعدة على قتل قومها وإخوانها وجيرانها من الفلسطينيين، وهذا لا يجوز لها عربياً بحكم القومية العربية، كما لا يجوز لها إسلامياً بمقتضى الأخوّة الإسلامية، ولا يجوز لها إنسانياً بموجب الأخوّة الإنسانية".
إن أكثر ما يؤلم في التصريحات الصادرة عن بعض شيوخ الأزهر أنها لا تقتصر على هذا وذاك من الذين تغريهم السلطة ويسعون لمرضاتها من دون الله، ولا على حالات جدّ نادرة، بل أصبحت ظاهرة يقودها ويُشرف على تفشّيها في المؤسسة الدينية التي يُفترض أنها منزّهة عن صغائر السياسة وشبهات المواقف، فكيف بأكثرها إيغالاً في "الهرولة" سعياً وراء المسؤولين الصهاينة تحت لافتات السلام والموضوعية وحوار الأديان، وما شابهها من المبرّرات الأقبح من العُذر المرفوض.
شيخ الأزهر في ميزان تصرّفاته
وحتى لا نُتَّهم بالمبالغة في كيل الإتهامات والقدح بأسيادنا المناضلين من المشايخ المقصودين بهذا الكلام وهم معروفون، ندعو كل من يريد الوقوف على خطورة هذا التوجه الى متابعة السقطات التي أدمن على ارتكابها شيخ الأزهر في هذا المجال. فقائمة مواقفه وبعض فتاويه، حتى المسجّلة بالصوت والصورة على المواقع الألكترونية المتخصّصة تكاد لا تُعدّ ولا تُحصى، لعلّ أبرزها وأكثرها وضوحاً أمام العالم، وتمسكاً بها من قبله، إصراره على الإلتقاء بقادة الكيان الصهيوني في أي مناسبة تُتاح له، والجلوس إلى جانبهم على طاولات الإستعراض الحواري، وتبرير ذلك بما لا يقبله العقل، كقوله أنه لم ير شمعون بيريس بعدما صافحه بكلتي يديه، وحدّق في وجهه ملّياً على هامش مؤتمر الأديان الذي عقد في نيويورك أواخر العام 2008، فقوله أنه "لم يسمع بحصار غزّة"!، دون التذكير بتملّقه لسركوزي أثناء زيارته لمصر أيام كان وزيراً لداخلية فرنسا، وإعلانه التضامن مع حق فرنسا بمنع الحجاب، ثم نزعه لاحقاً حجاب تلميذة أمام زميلاتها في الصف والقول لها بفظاظة تجرح المشاعر "... وماذا لو كنت جميلة، ماذا ستفعلين؟".
إذا كان شيخ الأزهر، رأس المؤسسة الدينية العريقة وصاحبة التاريخ، بهذه المواصفات، فأي عتب على أتباعه، دون الإنكار طبعاً بأن هناك – والحمد لله – الكثير من مشايخ المؤسسة خارج إطار هذا الخطّ بالكامل.
أخيراً يجدر التأكيد في ضوء الحقائق التي يحاولون تزويرها بكل إصرار، ان قضية الجدار والهدف الأساسي من إقامته أصبحت أكثر من صفحة مقروءة في كتاب مدرسي إبتدائي مفتوح. ولكن الغريب في الموضوع أن السلطات المصرية ما زالت تصرّ على "الغمغمة" بعد أن كانت تصرّ بشدّة على نفي الأنباء التي تتحدث عن البدء بتشييد الجدار، مع أن كلاً من الأمم المتحدة والولايات المتحدة قد أكّدوا ذلك.
كما يجدر لفت الإنتباه الى ما شهدت به تفصيلاً كارين أبو زيد، المفوض العام للأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين "الأونروا" حول الجدار، إنطلاقاً من المعلومات التي لديها، كما أعلنت ذلك في ندوة أقامتها الجامعة الأميركية بالقاهرة في 14 كانون الأول الماضي، قائلة: "إن الجدار المبني من الفولاذ القوي صُنع في الولايات المتحدة وعلى نفقتها، وتمّ اختبار مقاومته للمتفجرات"، وأكدت أنه أكثر فاعلية من خط بارليف، ثم أعربت أمام الحاضرين عن أسفها لقيام الحكومة المصرية بمثل ما أسمته "السيناريوهات التي لا تخدم إلاّ اسرائيل".
... ما رأي الأزهر الشريف في هذا الكلام، وما رأي السلطات المصرية، وما رأي معظم أنظمتنا التي تَحرَّكَ أمام أعينها شرفاء العالم إعتراضاً على ما يجري في الذكرى الأولى للعدوان على القطاع، ولم تتحرك هي قيد أنملة!؟